New Page 1

 


لماذا المعجم؟

التنمية البشرية هي توسيع خيارات الناس عبر تنمية قدراتهم. ولا تتحوّل هذه الرؤية إلى فعل بدون المشاركة التي يتدرّج الناس في مستوياتها، وهم يصلون إليها ولا يبدأون منها، بل يستحسن البدء .ببناء القدرة على المشاركة عند الناس، وهنا يكمن الاستثمار الأولي الذي يفضي إلى تملّك الناس لمشروعاتهم التنموية، مما يضمن نجاحها.

هذا المشروع الذي نضعه بتصرف شركائنا انبثق عن تلك الرؤية باعتباره أداة ضرورية تساهم في بناء القدرة على المشاركة، وتساعد على تغذية النقاش حول قضايا التنمية. إذ أنّ النقاش القائم في أوساط العاملين في التنمية لا زال يعاني من القصور في مجال تدقيق المفاهيم وقدرتها على الإحاتطة بحركيّة الأوضاع المجتمعية. ولا زال هذا النقاش محصوراً في أوساط النخب الأكاديمية أو السياسية أو الاجتماعية. ومن الملاحظ أن هناك مجالين أساسيين يضطرب فيهما النقاش التنموي. المجال الأول هو الافتراق المتفاقم بين نظريات النخبة ومخططاتها في جانب، واستجابة القواعد الشعبية والتطبيقات الميدانية لتلك الخطط في الجانب الآخر. والمجال الثاني هو المسافة الشاسعة بين مصالح الرأسمال العالمي والتوصيات الدولية من جهة، والأولويات والسياسات الوطنية من جهة أخرى.

معلومٌ أن الاتصال بين الوكالات الدولية والهيئات المحلية يعاني من مشكلة حقيقية هي اللغة. فاللغة الإنجليزية هي الأكثر استخداماً في أدبيات التنمية عبر العالم، واتقان تلك اللغة محلياً لا يزال حكراً على نخب محدودة معظمها مستقطب للعمل إماّ في تلك الوكالات أو في الجامعات ومراكز الأبحاث أو في المشروعات التجارية والمصرفية. وتبقى هيئات المجتمع المدني – بأكثريتها الساحقة- عاجزة عن تحمل أعباء تلك المؤهلات، وهي – في الوقت عينه- مدعوّة إلى التفاعل مع البرامج الدولية وإلى الحوار معها. في العمق، هناك ملايين الناس ممن يعيشون معاناتهم في العتمة. هم يفكرون بمفرداتهم المحلية، يشخصون فكرهم بلغتهم، يتألمون بها ويحبون بها ويحتجون بها. معجم مفاهيم التنمية هو أداة في تصرّف العاملين المتاحين، أي نشطاء المجتمع المدني، لإيصال الصوت بين هؤلاء وأولئك وبالاتجاهين.

توسيع قاعدة المشاركين في النقاش هي الغاية الأساسية لإطلاق مشروع معجم مفاهيم التنمية، على أن يتم ذلك عبر تعزيز قدرتهم على المشاركة في نقاش مفهوم، أي في حوار تنموي هادف إلى استقصاء خيارات جديدة. وإذا كان المأمول أن يجري استخدام هذه الأداة، أي المعجم، من قبل المشتغلين ميدانياً في قطاعات التنمية، فالمنتظر أن تتحسن مقدرتهم على إيصال صوت الناس إلى المخططين والخبراء المحليين. وبالنتيجة، تتحسن مقدرة هؤلاء على التحاور مع الوكالات الدولية ومع المهتمين بشؤون البيئة الكونية والساعين إلى مستقبل أفضل للبشرية.

الشركاء
تبلورت الحاجة إلى تلك اللغة المشتركة في أوساط العاملين في مؤسسات الإمام الصدر أثناء تقييمهم لأثر تدخلاتها، ومحاولتهم تطوير برامجها بما يتماشى مع حاجات المقيمين في جنوب لبنان وتطلعاتهم. ولقد حظيت فكرة المعجم بدعم فوري من مكتب البنك الدولي في بيروت في إطار برنامجه للمنح الصغيرة، ثمّ حظيت بشراكة فاعلة من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا- الإسكوا، التي قدمت المساهمة المالية والدعم الفني، بتنسيق من مركز المرأة في اللجنة وتشجيعه.
شكلت لجنة لتوجيه العمل في كافة مراحله، وساعدها أكاديمياً عدد من خبراء التنمية عملوا –كمجموعة، وكأفراد- على إرشاد فريق العمل وعلى توفير المشورة والدعم الفني. أنيط تنسيق العمل بمكتب الدراسات في مؤسسات الإمام الصدر، وساهم في اقتراح النصوص وتحريرها باحثون وناشطون في القطاع المدني والأهلي.

الآلية وطريقة التنفيذ

عند اكتمال الإطار التنظيمي، قام مكتب الدراسات بعملية مسح مكتبي للتقارير والأدبيات الصادرة عن المنظمات الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة، وتحديداً لمواقعها على شبكة الأنترنيت وللمعاجم والمسارد المستخدمة فيها. واستخرج منها قوائم مبدئية احتوت على عدّة مئات من المصطلحات والمفاهيم – بسيطة أو مركبة- مع مراعاة تواترها وتعدد استخداماتها في تلك الأدبيات، أو أن تكون حديثة التداول في وسائل الإعلام العربية، وفي الحالتين تم ترجيح معيار ارتباطها بالحاجات المحلية وبالقضايا التنموية العامة في المنطقة العربية.
قد يؤدي اللجوء إلى المخزون التنموي الغربي ومفاهيمه إلى تغليب وجهة النظر الغربية في التنمية وسياساتها، إلاّ أن صياغة التعاريف والشرح من قبل باحثين لبنانيين معنيين بالتنمية البشرية والمجتمعية ساهمت في تعديل مدلولات تلك المفاهيم وفي المساجلة مع وجهات النظر الوافدة معها، علماً بأن الشروحات تتجاوز الترجمة الحرفية للنصوص الغربية، وترفدها بأمثلة ومعطيات وآراء محلية، بل إنّ الكثير من النصوص جاءت نتاج عمل الباحث واستعانته بمصادر عربية أو بخبرته الشخصية. وبكلّ الأحوال، فإن واحداً من الأهداف المهمة للمشروع هو الإسهام في تغذية الحوار مع وكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة. ونعتقد أن آلية إنتاج المعجم تساعدنا على فهم توجهات تلك الهيئات، وتفهمها. كما ونأمل أن تساعد لاحقاً مستخدمي المعجم في تحليل تلك التوجهات ومناقشتها.
كان لا بدّ –ولدواعي عملانية- من إجراء تصنيف للمفاهيم في أبواب يجمعها إطار معيّن يتلاءم مع اختصاص الباحث أو ميدان خبرته واهتمامه. وفي حين أن بعض الفصول منسجمة تماماً في مكوناتها (التمويل الصغروي مثلاً، Micro Finance)، سوف يلاحظ المتصفح أن فصولاً أخرى مصنفة قطاعياً وتحمل تسمية قطاعية (الصحة، التربية، إلخ)، في حين أن البعض الآخر ينضوي تحت عنوان عام له تقاطعاته مع مجالات أخرى (البيئة، النوع الاجتماعي، التنمية البشرية والتمكين)، والبعض الثالث له طابع تقني أو عملاني (إدارة المشروع).
كان المطروح بدايةً أن نستعين بهذه التصنيفات الاستنسابية لحين الانتهاء من إعداد النصوص، على أن تدمج معاً فيما بعد وترد بترتيبها الأبجدي كما هو الحال في المعاجم والقواميس الكلاسيكية. إلاّ أننا آثرنا أن ننشرها كما هي حفظاً للحقوق المعنوية للمؤلفين من جهة، وتوخياً لإتاحة الفرصة أمام المستخدمين في تفحص كتلة متجانسة نسبياً من المفاهيم المرتبطة بمجال اهتمامهم أو مجال عملهم. وقد تمّ تغليب هذا الخيار نزولاً عند رغبة القارئين الاختباريين الذين حبذوا أن تتجاور مجموعة المفاهيم والأدوات المتصلة بدائرة اهتماماتهم اليومية، ويمكنهم الاستعانة بها بسهولة ويسر. علماً بأن الاطلاع الشامل على محتويات الفصل لقيت استحسانهم أيضاً كونها تعطي فكرة متكاملة عن القطاع الذي يعنيهم.
الاختبار الآخر الذي أخضعت له القوائم المختارة كان عبر مجموعة ممثِّلة (Focus Group) ضمّت نحو عشرين شخصاً من العاملين في القطاع الأهلي، وقد طرحت عليهم مفردات اختيرت عشوائياً من القوائم، وذلك لتفحص مدى ملاءمتها لحاجاتهم، ومدى التفاوت في دلالاتها لديهم. ثم وزعت القوائم على أعضاء الهيئة الإرشادية فأبدوا ملاحظاتهم عليها، وجرى بعدها تكليف الباحثين بإعداد التعريفات والتي تمّت مراجعتها من قبل بعض أعضاء الهيئة ومن قبل اللجنة الموجهة. وفي مرحلة لاحقة ساهمت الإسكوا بمراجعة بعض الفصول وإبداء الملاحظات بشأنها.
من المهم هنا أن نوضح للقراء أن بعض النصوص قد تغيّرت قليلاً عن الصيغة الأصلية التي وضعها الباحثون، وهذا من باب الأمانة العلمية ولعدم تحميلهم مسؤولية ما طرأ من تعديلات رغم أنهم أحيطوا علماً بها قبل أن يحال المعجم إلى المطبعة. تعددت أسباب إحداث التعديلات، فمنها ما يعود إلى اعتبارات تقنية لناحية الحجم، أو وظيفية لناحية تبسيط بعض الفقرات بحيث تتسع الإفادة منها لعدد أكبر من المستخدمين المحتملين، أو لاعتبارات شكلية على علاقة بالتناسق بين مكونات الفصول وبأسلوب عرضها.

المحتويات والتبويب

بعض الفصول، إذن، له طابع عام يتجاوز التحديد القطاعي الضيق، إذ يضم تشكيلة منوعة من المفردات. فيها التقني والواضح والمتفق على دلالته واستخدامه، وفيها العام والإشكالي والذي لا يزال موضع سجال. كما ويضم مفاهيم ومؤشرات ومقاربات منهجية وأدوات بحث وتحليل ووسائل قياس ومتابعة. الدافع إلى هذا التنويع هو أن نضع في تصرف المستخدم مؤلفاً يحقق التفاعل مع بعض متطلباته المعرفية ومع حاجاته العملية. والمستخدمون المحتملون هم عموماً من غير المتخصصين، فالمتخصص في مجال محدد قد لا يجد في الفصل الذي يقع ضمن اختصاصه قيمة مضافة، إلاّ أنّ الفائدة بالنسبة إليه تتمثل بإعطائه فكرة أوضح عن اهتمامات المعنيين وتزوده بإشارات إلى اتجاهات محددة تحتاج إلى المزيد من الاهتمام والتركيز. كما وإن الإطلال على التنمية من زوايا مختلفة يمكن أن يساعد المتخصص على الإحاطة بالإطار العام الأشمل.

يتوقع أن يكون المعجم مفيداً لمجموعات الطلاب الجامعيين والمطلعين على التقارير والأبحاث التنموية المنشورة باللغة الإنجليزية. ولخدمة هؤلاء، تمّ إدراج المفاهيم في الفصول حسب تسلسلها الأبجدي اللاتيني. في حين أن كل المفاهيم مدرجة في الفهرس الأجنبي ويقابلها رقم الصفحة التي تحتوي على الشرح، كما وهناك مدخل آخر يدرج المفاهيم حسب تسلسلها الأبجدي باللغة العربية.

تحسباً لتوقعات الراغبين بتصفح المعجم كمجمع مترابط، تمّ إدراج الفصول من العام إلى الخاص. فبإمكان القارىء الذي يودّ التعرّف على القضايا التنموية الأساسية أن يطّلع على الفصلين الأولين، أي البيئة كونها الوسط الحاضن للكائنات المتفاعلة معه، ولتلازمهما مع بعد الاستدامة في التنمية. ثمّ التنمية البشرية والتمكين، أي الفصل المتضمّن الإشكاليات الأساسية في التنمية كالمساءلة والتنافسية والتضمينية والشفافية والحكمية الصالحة والتمكين وبناء القدرات والمشاركة والمجتمع المدني والمسؤولية الاجتماعية ومؤشرات التنمية البشرية وأهداف الألفية، إلخ. في حين أن حقوق الإنسان مدخل مناسب لتلمس جوهر التنمية وغايتها المتمثلّة في صيانة الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة والحقوق.
فصل العلاقات الدولية، يفرض ذاته في الترتيب لناحية إلحاح العولمة وتبعاتها كالتكيّف الهيكلي والخصخصة والمديونية والهوية الثقافية. يليه مباشرة فصل الاتصالات والتكنولوجيا كونهما عصب التواصل في عالم اليوم، ونظراً للفرصة التنموية العظيمة التي تتجلّى في تحويل المعلومات إلى معرفة.
قضايا المرأة والرجل نعتبرها جسراً حتمياً للعبور الناجح من الإشكاليات والمفاهيم الملتبسة إلى الحلول الواقعية. فالأرجح أن من بين الإخفاقات المتتالية الأهم في التجارب التنموية السابقة كان تجاهل الدور المحوري للمرأة. تلي قضايا المرأة والرجل مقاربات تنموية محددة استعرضناها في فصل التنمية المحلية كالتنمية بدينامية محلية والاستقصاء التشاركي للأوضاع الريفية (PRA)، والانتقال من الإغاثة إلى التنمية.
المؤشرات الأساسية الثلاث للتنمية البشرية وما يحيط بها من قضايا ومفاهيم وأدوات قياس، تمّ استعراضها في فصول ثلاثة شديدة الارتباط بطبيعة تلك المؤشرات. والفصول هي الصحة والتربية والاقتصاد والمالية العامة. في حين آثرنا تبويب بعض المصطلحات التقنية المستعملة في التمويل الصغروي بشكل منفصل.
إدارة المشروع يزوّد العاملين في تصميم المشاريع التنموية ومتابعتها وتقييمها بالمفاهيم ذات العلاقة بالتخطيط والإدارة، وبأدوات البحث والقياس والمتابعة، وذلك بغض النظر عن طبيعة مشروعاتهم تربوية كانت أم صحية أم اجتماعية.. والفصلين الأخيرين يتضمنان أهم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات العلاقة، وقائمة مختارة من المنظمات والوكالات الدولية المهتمة بشؤون التنمية.


المستخدِمون المحتملون

تمّ ترجيح الاستخدامات الوظيفية على الاعتبارات المنهجية، وكان لا بدّ من تطويع الشكل لمصلحة المضمون.
فالهدف أن يأتي المنتج مفيداً لفئات واسعة من العاملين المستخدمين للمفاهيم. لهذا كان خيار التنويع مع طرح قدر كافٍ من المفردات حتى لو جاء الشرح مبتسراً، ولهذا توخينا استعمال اللغة المباشرة الأقرب إلى لغة الصحافة اليومية. نتوخى أن يحفز المعجم مستخدميه على الاطلاع على السياسات الحكومية ومناقشتها، وعلى الإسهام في مشاريع الجهات المانحة وفي نقدها ومتابعتها.
نتوقّع أن يحظى العمل باهتمام العديد من الفئات، منهم كوادر الجمعيات الأهلية من متخذي القرار ومعدّي المشاريع والمدربين، ومنهم أعضاء المجالس البلدية والناشطون اجتماعياً، كذلك طلاب علوم الاجتماع والتنمية والسكان والخدمة الاجتماعية والإعلام والعاملين في الترجمة. أما الباحثون وخبراء التنمية الاجتماعية والمجتمعية، فإنهم مدعوون إلى الإسهام مباشرة في إثراء العمل وتعزيزه بما لديهم من آراء ومعلومات، لا سيّما وأن الطبعة الالكترونية من المعجم متوافرة على موقع مؤسسات الإمام الصدر على شبكة الأنترنيت وقابلة للتعديل المستمر، وهناك نافذة تفاعلية خاصة يمكن استخدامها لهذا الغرض.

ماذا بعد؟

يقع هذا العمل في مكان ما بين شمولية القاموس وتخصصية المعجم.. فهو دون القاموس لناحية اقتصاره على مفردات مختارة لكنّه يزيد عليه كونه يتجاوز المعنى المباشر إلى استقصاء الدلالات المتنوعة ومقابلة وجهات النظر المختلفة مع تعزيز الشرح بأمثلة ومعطيات مرتبطة بالواقع. ونظراً لما تكتسبه التنمية من أبعاد وآفاق، فإن الإحاطة الشاملة بها في مؤلف كافٍ ووافٍ هو أمر مستحيل. وهو ليس مطلوبنا بل إنّه لا يقع في دائرة طموحاتنا المنظورة لا سيّما وأن التنمية عملية مستدامة ومتحركة ومتطورة على الدوام.
على ضوء التفاعل المأمول من كافة شركاء التنمية، سيتم حتماً تطوير هذا العمل تصويباً وتنقيحاً. ويمكن توسيعه أيضاً، وتحديداً على الموقع الالكتروني، أو تطويره باتجاه مؤلفات متخصصة لإيفاء كلّ قضية حقها، وتحديداً التوسع في شرح أدوات التحليل والقياس واستخداماتها.

ما نتوخّاه من عملنا أن يشكّل إضافة متواضعة ترفد المجهودات المتعددة. هو مجرّد محاولة لفتح باب جديد أمام التواقين إلى الإسهام في صنع الغد الأفضل. وما أكثرهم!


مع تحيّات لجنة التوجيه

 


 

New Page 1